الحرية مقابل الديمقراطية.. كيف تؤثر “مكافحة الإرهاب” على ديمقراطيات العالم؟

أصبح التهديد الإرهابي خطرًا مباشرًا على عمل الأجهزة القضائية، والتوازن بين السلطات وحماية الحريات، فكيف يمكننا تجنب الوقوع في هذا الفخ الذي ينتظرنا؟

يمكن أن يؤثر التهديد الإرهابي على المجتمعات الديمقراطية بطرق مختلفة، ففي بادئ الأمر، يؤثر الإرهاب على نفسية المواطنين نظرًا لأنه يرسّخ تهديدًا مستقرًا وغير مرئي في نفوسهم، كما يضعف الإرهاب السلطة التي فشلت بدورها في حماية شعبها.

في المقابل، يمكن أن يضفي الإرهاب نوعًا من الشرعية على هذه السلطة التي ستحاول أمام هذا التهديد تنظيم وحدة وطنية والاستجابة إلى مطالب إرساء الأمن، وبالإضافة إلى ذلك، تمحي هذه الحالة الخطوط الفاصلة بين حالة الحرب وحالة السلم.

كما أنه أمام مخاطر الوقوع في الفخ الذي نصبه الإرهابيون، تبدأ الدول في التحول إلى أنظمة استبدادية وتمييزية لإثارة الريبة في صفوف المتطرفين، إلا أنها يمكن أن تقوي صفوفهم من خلال هذا التمشي، وقد حلل هذه الظاهرة القاضي أنطوان غارابون، وأستاذ القانون مايكل روزنفيلد، في كتاب “الديمقراطيات تحت الضغط” .

لماذا تؤثر فينا الهجمات أو حتى تتسبب في صدمة نفسية للعديدين؟ يبدو هذا السؤال صادمًا نوعًا ما، لكنه يعدّ من أول الأسئلة التي أجاب عنها غارابون وروزنفيلد.

ليس من الممكن بالنسبة للمدنيين البسطاء، تكهن أو توقع حدوث هجوم، وفي حال حدوث هجمات إرهابية، تتحول الحياة اليومية إلى مشهد من الحرب، أما بعد انتهائها، فتمتزج ذكرياتها المؤلمة مع التهديد المستمر لنشوب هجوم جديد، عادة ما يرتكبه أشخاص من المجتمع نفسه. كما تساهم التغطية الإعلامية للهجوم المرتكب في ذلك الوقت، أو في غيره من الفترات، في تضخيم هذا التأثير.

في كتاب “الديمقراطيات تحت الضغط”، أن “الإرهاب يستفيد بدرجة أولى من الثقة العفوية التي يمنحها الناس لغيرهم من عناصر المجتمع ومكوناته التي ترسم ملامح الحياة اليومية، وفي ظل الإرهاب، أصبح الأسوأ أمرًا ممكنًا وفي كل وقت، كما أن العنف الأكثر تطرفًا، يصبح قابلاً للتطبيق في أكثر الأجواء سلمية

وفي الواقع، جاء في كتاب “الديمقراطيات تحت الضغط”، أن “الإرهاب يستفيد بدرجة أولى من الثقة العفوية التي يمنحها الناس لغيرهم من عناصر المجتمع ومكوناته التي ترسم ملامح الحياة اليومية، وفي ظل الإرهاب، أصبح الأسوأ أمرًا ممكنًا وفي كل وقت، كما أن العنف الأكثر تطرفًا، يصبح قابلاً للتطبيق في أكثر الأجواء سلمية، وأمام هذا الوضع، تُخلق حالة من التوتر، جراء عدم القدرة على تحديد موقع التهديد، علاوة على ذلك، لا يمكن رسم حدود الخطر إذ يمكن أن يأتي سواء من الداخل أو الخارج، فضلاً عن ذلك من الصعب تحديد بدايته أو نهايته”.

نزاع مسلح لا يحترم قواعد الحرب 

حتى لو اعتبرنا أننا في حالة حرب ضد الإرهابيين، فإن ما يحدث ليس له علاقة بالنزاع المسلح التقليدي، وعمومًا، في المواجهة بين المتطرفين والدول، لا توجد أبسط الضمانات أو قواعد الاشتباك أو مجال للصراع أو حتى إعلان لحالة الحرب.

من الواضح أنه في هذه الحرب، إذا كان المتطرفون يهدفون إلى ضرب أهداف سياسية، فمن الممكن أيضًا أن يحققوا مكاسب رمزية، تتمثل أساسًا في إثبات الوجود والانتقام.

من جهة أخرى، لا يعترف الإرهابيون بأية قواعد إذ أظهروا حرية مطلقة في اختيار أماكن وأوقات تنفيذ هجماتهم. بالإضافة إلى ذلك، أصبح التمييز بين الجرائم العادية والعدوان السياسي، في ظل الإرهاب، يعدّ من الأمور الصعبة.

في الحقيقة، أصبح من غير الممكن التمييز بين القانون المحلي والقانون الدولي، أو حتى الفصل بين حالة الحرب وحالة السلم، وفي خضم هذه الفوضى، أصبحنا نرى القوات المسلحة تشارك في عمليات الشرطة الدولية، وفي الوقت ذاته لا يغيب الجيش عن شوارع مدننا.

من جانب آخر، تتاح عديد من الخيارات أمام الديمقراطيات على الصعيد العسكري إلا أنه تبقى “الحرب الوقائية” من الأمور غير المؤكدة في كل الأحوال، وفي هذه الحرب، تعتبر عمليات القتل التي تستهدف الإرهابيين أقل خطرًا، ولكنها تفتقر للشرعية ومنطق الدولة.

ومن بين هذه الأساليب الأقل خطورة، يمكن الحديث عن الطائرات دون طيار التي تتشارك في العديد من النقاط مع الهجمات الإرهابية، وتبقى هذه الآلية من أساليب ووسائل الحرب التي تستعمل حتى في حالة السلم (على سبيل المثال تستعمل الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأساليب في اليمن وباكستان، على الرغم من أنها ليست في صراع مفتوح معها).

في الواقع، يمكن لهذه الضربات أن تخلق نفس النوع من الخوف والهلع الذي تتسبب فيه الهجمات التي تستهدف المدنيين، حتى وإن لم يكن هذا هو هدفها الأساسي، وعمومًا، فهي تمثل تهديدًا دائمًا وغير مرئي.

من جهة أخرى، فإن سقوط عدد من القتلى المدنيين جراء هذه الضربات، شأنها شأن قصف التحالف ضد تنظيم الدولة، في العراق وسوريا، يمكن أن يولد شعورًا بالكره والعداء تجاه الغرب، وهو ما يخدم مصالح الإرهاب والمتطرفين.

في هذا السياق، دوّن غارابون وروزنفيلد في كتابهما: “تعمل استراتيجية الإرهاب على تحويل قوة الخصم إلى عجز، كما أنها تعمل على إظهار أن الجيوش تلجأ إلى العنف في عملها، وبمرور الوقت، تتراجع مكانته بين الشعب وتصبح متدنّية”.

اتحاد مقدس وحالة الطوارئ وعدالة “استباقية”

يعتبر كل هجوم فشلاً للسلطة التي عجزت عن حماية مواطنيها، وردًا على ذلك، تزيد السلطات من صلاحيات رجال الشرطة والحد من السيطرة على القضاة، مثلما حدث خلال حالة الطوارئ في فرنسا.

في الحقيقة، إن حالة الخوف التي تستقر في الدولة، يمكن أن تعزز شرعيتها، خاصة عندما تخلق حالة من “الاتحاد بين الأحياء، تضامنا مع الضحايا” أو “اتحاد الحضارة، ضد الفوضى والهمجية”.

علاوة على ذلك، “يمكن اعتبار العنف الإرهابي شكلاً من أشكال القوة التي تعيد تشخيص معنى القوة، وفي ظل التهديد الإرهابي، تحاول المؤسسات الديمقراطية إعادة تعريف الصورة بالتزامن مع الأحداث الصادمة”.

في واقع الأمر، يؤدي الإرهاب إلى اضطرابات في العدالة الاستباقية، إذ إنه بحثًا عن منع حدوث هجمات محتملة، تسعى السلطات إلى الكشف عن الإرهابيين المحتملين الذين يختبؤون داخل المجتمع.

لا تختلف جريمة التغاضي عن الإرهاب كثيرًا عن جريمة الرأي، لأنها لا تتطلب حتى النية في ارتكاب هجوم أو الانضمام إلى تنظيم إرهابي

عمومًا، لا تختلف جريمة التغاضي عن الإرهاب كثيرًا عن جريمة الرأي، لأنها لا تتطلب حتى النية في ارتكاب هجوم أو الانضمام إلى تنظيم إرهابي، وفي هذه الحالة، فإن المشتبه فيه مختلف تمامًا عن الشخص المتطرف، الذي لم يمر بعد إلى تطبيق أفكاره المتطرفة، ولهذا السبب، فإن بعض السياسيين الفرنسيين ناصروا قرار احتجاز الأشخاص المشتبه فيهم من أجل الوقاية، القرار الذي لم يلاق دعم مختصين في الإرهاب.

“المهم بالنسبة للدولة هو درء المخاطر وإظهار أنها قامت باللازم، حتى تلك الإجراءات غير القانونية، من أجل التصدي للعمليات الإرهابية، علينا توقع حدوث الأسوأ، فالحرية الوحيدة هي حرية الضحايا المحتملين في العمليات الإرهابية (…) ولا يتذمر من حالة الطوارئ إلا هؤلاء الذين يخافون من سوء توظيف الوضع لأنه يعرض مبادلة أمنهم مقابل حريتهم”.

من جهة أخرى، يحلل الكتاب هذا التطور في التحول في المخاطر: عند وقوع عملية إرهابية لا تُحمّل المسؤولية للسياسيين، للشرطة، القضاء، الاستخبارات، وفي حال فرضنا أن لدينا الآليات لتوقع حدوث عملية إرهابية، فسيكون هؤلاء هم المخطؤون خاصة أن هذا التطور سيسجل فصلاً عمليًا للممارسة القضائية في الدول المتمسكة بالقانون.

وهي أيضًا ردة فعل تميز صدى العمليات الانتحارية، لأن الجاني راح خلال العملية، ولن يدفع ثمن أخطائه، إلا في عمليات الاعتقال الاستثنائية على غرار حالة صلاح عبد السلام التي يمكن فيها الالتجاء للقضاء.

“كل العناصر المكونة لأساس العدالة الجنائية والمنبثقة من عصر التنوير هي اليوم تحت المجهر، نحن نتمتع بعقوبات جنائية تكفل معاقبة مرتكب الجريمة، وتتأقلم مع منطق هيمنة الحماية ضد المخاطر والمساواة، لكن الديمقراطيين لن يتخلوا عن الضمانات الدستورية أو الدفاع عن حريتهم، ولكنهم لا يمارسون هذه الحقوق كما يمارسها الإرهابيون”.

يصعب سجنهم ويستحيل إعادة تأهيلهم

على عكس المنشقين والمتمردين، لا يرغب الإرهابيون في تطوير المجتمع أو العمل من أجل مستقبل أفضل، في المقابل، يرغبون في تدميره والعودة إلى “الأصل النقي”، وهو ما يجعل من الإرهابيين أنصار “المثالية أو يوتوبيا ضد الديمقراطية”، فهم لا يعارضون النظام السياسي فقط، ولكن يعارضون أيضًا المجتمع الديمقراطي فيما يسمونه “نظريًا” بحرية الأخلاق وحماية الأقليات والمساواة في الحقوق.

“تتلخص أخلاق الإرهابي في خوض الحروب، بغض النظر عن أضرار الحرب وإنتاج الفقر(…) فكأنه أرستقراطي يسيء فهم عقلية الضحية، (…) فالإرهاب هو الرغبة في القطع مع التاريخ الممتد، الذي منح الحرية قدرًا أكبر من المقدس”.

سجن الإرهابيين أو الرغبة في إعادة تأهيلهم أمر صعب، أولاً، لأن السجن أصبح اليوم مأوى لصناعة التطرف، مما قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة التي كان من المفترض معالجتها

في الواقع، إن سجن الإرهابيين أو الرغبة في إعادة تأهيلهم أمر صعب، أولاً، لأن السجن أصبح اليوم مأوى لصناعة التطرف، مما قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة التي كان من المفترض معالجتها، كما أن مواجهة “التبشير” الجهادي في السجن عملية معقدة بعد أن سُجلت حالات فشل (لأن السجون جمعت المتطرفين) ومقاومة (نظرًا لأن بعض السجناء يرفضون أن يكونوا أداة بيد الاستعلامات).

نستطيع أن نضيف إلى ما سبق، أن إعادة تأهيل المتطرفين عملية صعبة، لئن وُجد جهاديون تائبون مثل مراد بنشلالي وفريد بن يتو، فلا يوجد إجراءات يمكن تتبعها للتخلص من قناعات الشخص السياسية والدينية، لذا فكل الشباب الذين عادوا من سوريا، حتى أولئك الذين أصابهم الإحباط من حقيقة “الخلافة”، يواصلون تعاطفهم مع الإيديولوجيا الجهادية، كما أوضح هذا دافيد تومسون في كتابه “العائدون”، في المقابل، تعتبر عملية الوقاية من التطرف عملية ممكنة.

الأضرار المحتملة على الديمقراطية 

توجد ثلاثة أطر قانونية قادرة على مواجهة التهديد الإرهابي: الحقوق المشتركة ووضع الحرب وحالة الطوارئ وهي الأقرب لحالتنا، من أجل تجنب الانحرافات، فإن خيارات السيطرة ثلاثة وهي: يمكن الاعتماد على الجهات التنفيذية أو البرلمان أو القضاء، لن تكون هذه الأحكام والشروط ضمانًا لحماية الحريات، لذا فإنه في وقت الحرب تكون “الوحدة المقدسة” دليل المجموعات البرلمانية للتوحد خلف “نص” شديد القسوة من المفترض أن يدعم أمن البلاد.

“مناقشة الأمن والحرية يحمل في حد ذاته تفضيلاً للأمن، ولكنه أمن محدود لوقت محدود على الرغم من أن الخطاب السياسي يوظف استعارة الحرب ولكنه لا يأخذ الوضع بجدية، ما ينتج سياسة وأمنًا هشًا”.

وتجدر الإشارة إلى أنه عند وجود رد فعل لعمل إرهابي، يطغى خطابان، يكون الخطاب الأول انتقاميًا “الرغبة في رفع التحدي من خلال فخر المواجهة”، في حين يحمل الخطاب الثاني في طياته التوبة، خاصة في مواجهة منطق الاستعمار.

بالنسبة لغارابون وروزنفيلد، يتمثل المسار الثالث في الدفاع عن المجتمع المدني، ففي هذه المنطقة (المنطقة الرمادية) تمكن المسلمون من العيش بوفاق وسلام مع بقية الشعوب في حضن مجتمعات ديمقراطية عمل تنظيم الدولة على تدميرها من خلال وسيلته الدعائية “دابق”، وبالتالي فإن أية سياسة تعسفية أو تمييزية بحق المسلمين ستضرب شرعية الدولة، وستسهل عمل الجهاديين في انتداب منتسبين جدد، وهذا فخ يجب تجنبه.

“يخشى الديمقراطيون من أن انفتاحهم وتنوعهم قد يضعفهم إن تم تعريضهما بشكل خاطئ للخطر الإرهابي، ولهذا السبب، فهم يميلون للتخلي عن مبادئهم تحت ادعاء حرصهم على أمنهم المادي. (…) قد يتسبب الخوف في التخلي عن بعض الحريات (…) وهذا بالضبط ما يريده الإرهابيون، لذلك، فإن أي قرار أمني من شأنه أن يقوض سلطة الدولة سيكون لصالح الإرهابيين”.

في الختام، أرسل غارابون وروزنفيلد عديد من المقترحات التي لا تقدم حلاً أمنيًا نهائيًا ولا تمكن من “القضاء على الإرهاب”، نظرًا لأن ذلك مستحيل، وتتمثل هذه المقترحات في وضع المواطن في قلب الأمن المجتمعي، والتركيز على تطبيق الحقوق المشتركة في كل مكان بأكبر قدر ممكن، والحد مع مرور الوقت من الآليات التي تمنع تحقيق الهدف سالف الذكر، وتعزيز حماية بعض الحريات (منع التعذيب والعنصرية)، والنظر في المنع المؤقت لبعض الحقوق الأخرى عند الضرورة، فضلاً عن التسلح بفكرة أن كل شيء نسبي، حتى تصبح التضحية بكل شيء لصالح فرضية أمنية شاملة، أمرًا ممكنًا.

شارك مع أصدقائك

رابط مختصر

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

المصدر :http://www.mubasher24.com/?p=56124